الشيخ محمد رشيد رضا
261
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في نومة الحق عنه ، وثم معنى آخر ، قال الأستاذ الامام : هذه الآية جواب عما عساه يطوف بخواطر أولئك الضعفاء ، وهو اننا لا نقاتل لأننا ضعفاء والأعداء أكثر منا عددا ، وأقوى منا عددا ، فدلهم اللّه تعالى على قوة المؤمنين التي لا تعادلها قوة ، وضعف الأعداء الذي لا يفيد معه كيد ولا حيلة ، وهو ان المؤمنين يقاتلون في سبيل اللّه وهو تأييد الحق الذي يوقن به صاحبه وصاحب اليقين والمقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه نفسه بكل قواها إلى اتمام الاستعداد ، ويكون أجدر بالصبر والثبات ، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد أقول وفي هذه الآيات من العبرة ان القتال الديني أشرف من القتال المدني لان القتال الديني في حكم الاسلام يقصد به الحق والعدل وحرية الدين وهي المراد بقوله تعالى « وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » * أي حتى لا يفتن أحد عن دينه ويكره على تركه « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » وقال في وصف من اذن لهم بالقتال بعد ما بين إلجاء الضرورة اليه « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ » وتقدم شرح ذلك مرارا . وأما القتال المدني فإنما يقصد به الملك والعظمة ، وتحكم الغالب القوي في المغلوب الضعيف ، وانما يذم أهل المدنية الحرب الدينية ، لأنهم أولو قوة وأولو بأس شديد في الحروب المدنية ، ولهم طمع في بلاد ليس لها مثلها تلك القوة ، وانما لها بقية من قوة العقيدة ، فهم يريدون القضاء على هذه البقية ويتهمونها باطلا بهذه التهمة ومنها ان هذه الآيات وسائر ما ورد في القتال في السور المتعددة تدل إذا عرضت عليها أعمال المسلمين ، على أن الحرب التي يوجبها الدين ، ويشترط ، لها الشروط ويحدد لها الحدود ، قد تركها المسلمون من قرون طويلة . ولو وجدت في الأرض حكومة إسلامية تقيم القرآن وتحوط الدين وأهله بما أوجبه من إعداد كل ما يستطاع من قوة واستعداد للحرب حتى تكون أقوى دولة حربية ثم إنها مع ذلك تتجنب الاعتداء فلا تبدأ غيرها بقتال بمحض الظلم والعدوان ، بل تقف عند تلك الحدود العادلة في الهجوم والدفاع ، لو وجدت هذه الحكومة لاتخذها أهل المدنية الصحيحة قدوة صالحة لهم ، ولكن صار بعض الأمم التي لا تدين بالقرآن أقرب إلى أحكامه في ذلك ممن يدعون اتباعه ،